عند النظر في دعاوى الطلاق أمام المحاكم الشرعية، تبرز مسألة الدفع بالدهش كأحد الدفوع الجوهرية التي قد تُغيّر مسار الدعوى بالكامل.
فليس كل طلاق يقع معتبرًا شرعًا، إذ يشترط القانون توافر الإدراك والإرادة السليمة وقت صدور الطلاق.
وقد عالج المشرّع الأردني هذه المسألة صراحةً ضمن قانون الأحوال الشخصية، منعًا لوقوع الطلاق في ظروف غير طبيعية تمسّ أهلية الزوج.
لا يُقصد بالدهش مجرد الغضب العادي.
فالمدهوش، وفق تعريف القانون، هو الشخص الذي يختل اتزانه في القول والفعل نتيجة غضب شديد أو سبب مفاجئ، بحيث يخرج عن سلوكه المعتاد ويعجز عن ضبط تصرفاته.
وبالتالي، العبرة ليست بالغضب بحد ذاته، وإنما بمدى تأثيره على الإدراك والاختيار.
اتصل لاستشارة افضل محامي شرعي

نص قانون الأحوال الشخصية الأردني رقم (15) لسنة 2019 في المادة (86) على حالات لا يقع فيها الطلاق، وهي حالات ينعدم فيها التمييز أو الإرادة.
وتشمل هذه الحالات:
السكر
الدهش
الإكراه
العته
الإغماء
النوم
في جميع هذه الصور، يُعتبر الطلاق الصادر غير منتج لآثاره الشرعية.
يُثار الدفع بالدهش أساسًا في:
دعاوى الطلاق
دعاوى الظهار
دعاوى الإيلاء
ورغم أن النص القانوني ورد صريحًا في الطلاق، إلا أن القضاء الشرعي وسّع نطاق التطبيق استنادًا إلى المادة (325) من القانون، التي تُحيل إلى الراجح من مذهب أبي حنيفة عند غياب النص.
ولأن الظهار والإيلاء يأخذان حكم الطلاق من حيث الآثار، فقد جرى العمل على قبول الدفع بالدهش فيهما أيضًا.
تكمن أهمية هذا الدفع في كونه:
دفعًا موضوعيًا يمسّ أصل الدعوى
يؤدي، في حال ثبوته، إلى إسقاط دعوى إثبات الطلاق
معتمدًا صراحة من المشرّع الأردني
متكرر الورود في الواقع العملي للمحاكم الشرعية
ولهذا، لا تتعامل المحاكم معه على أنه دفع شكلي أو ثانوي.
يُثبت الدهش بجميع وسائل الإثبات الشرعية المقبولة، دون تقييد بطريقة محددة.
ومن أبرز وسائل الإثبات:
شهادة الشهود
اليمين
الخبرة أو المعاينة
المستندات والكتابات
الإقرار
وتبقى للمحكمة سلطة تقدير الأدلة وترجيحها وفق ظروف كل دعوى.
تمر الدعوى عادةً بمراحل واضحة:
تُقام دعوى إثبات الطلاق مستوفية الشروط
يُسأل الزوج عن جوابه
يدفع الزوج بأنه كان في حالة دهش وقت الطلاق
فإن أقرت الزوجة بذلك، قُبل قوله مع يمينه.
أما إذا أنكرت، فيُكلف الزوج بإثبات ما يدّعيه.
في كثير من القضايا، تدفع الزوجة بأن الطلاق صدر في حالة صحو، لا دهش.
وعندها تطبّق المحكمة قواعد ترجيح البينات، حيث:
تُقدّم بينة الصحو على بينة الدهش
تُكلف الزوجة أولًا بإثبات الصحو
فإن عجزت، يُعاد عبء الإثبات إلى الزوج
وعند تعادل الأدلة، يُصار إلى اليمين كوسيلة حاسمة.
يسقط الدفع بالدهش في حال:
عجز الزوج عن إثباته
أو نكوله عن حلف اليمين عند تكليفه بذلك
وعندها تُثبت المحكمة الطلاق وتترتب آثاره الشرعية كاملة.
الدفع بالدهش ليس وسيلة للتهرب من الطلاق، بل استثناء دقيق يُطبق بشروط صارمة.
وإثباته يتطلب أدلة واضحة تقنع المحكمة بانعدام الإدراك وقت الطلاق.
لذلك، فإن حسن عرض الدفع وتقديمه في الإطار القانوني الصحيح قد يكون العامل الحاسم في الفصل بالدعوى.
إن الدفع بالدهش في دعوى إثبات الطلاق قد يُغيّر مصير الدعوى بالكامل.
فثبوته يؤدي إلى سقوط الطلاق وعدم ترتب أي آثار شرعية عليه.
لذلك، يُنصح دائمًا بالاستعانة بمحامٍ شرعي مختص لتقديم الدفع وصياغته وإثباته وفق الأصول القانونية.